الخميس، 19 نوفمبر 2020

صورة في ذاكرة متعبة / بقلم الاستاذ سالم العكروتي

صور في ذاكرة متعبة ص /53 ...تزامنت تغريبة العائلة ،في رحلة جني الزيتون بالساحل التونسي مع وصولي إلى الستة سنوات من العمر وأنا الإبن الأصغر ، يمر الخريف بأحزانه وتتناثر أحلامنا وتيبس أمانينا كأوراقه وتجف ينابيع الفرح والألق على حافات فقر مقيم ووجع مستديم تجتره أم متعبة وأب أنهكته مسارب الحياة البائسة ،يأتي الشتاء بصقيعه في الأوصال وثنايا التفاصيل المملة الكالحة، كنت لا أفقه كثيرا مما يدور حولي ، كنت ألازم أمي طوال الوقت أنهل من حنانها وحبها الرائع ومن نظرات أبي الصامتة المفعمة بالكبرياء والتحدي ،على أطراف غابة الزيتون الممتدة عرضا وطولا تفوت بصري الصغير ، وعلى ممراتها الكثيرة ، يمر أطفال أمثالي يحملون محفظات صغيرة وبميدعات زرقاء باهتة ، يمرون حذونا وأنا خلف أمي تارة وتارة أخرى أتلهى بالركض خلف الشاحنة وهي تسير ببطئ يحملها الرجال بأكياس الزيتون الممتلأة وأحيانا أخرى أتسلق الأشجار بحثا عن أعشاش الحمام والطيور التي هاجرت، ينتابني شعور غريب وتساؤل مر مقيت ، ترجمته ذات مساء وأبي يجلس قبالة (القيطون) يدخن بشراهة يعالج معطفا قد تقطعت جوانبه ، يرتق ما إنفلج فيه بإنتباه على بقايا ضوء المساء ونور (القازة) الباهت ،تلعثمت كثيرا وتحجرت كلماتي الكبيرة الصغيرة وتمطط السؤال وبحشرجة متقطعة قلت _بابا........... _بابا...... _ نعم ياسالم .... تكلم _ بابا .. متى أذهب إلى المدرسة...... ؟ بنظرة باكية وتنهيدة تسع الكون ، نظر إلي أبي نظرة سطرت حروفا و كلمات تهز عرش النائمين ، ودمعة بحجم طوفان ... ضمني إليه طويلا وبقبلة ودمعة حارة لامست وجهي ، إعتدل واقفا أشعل سجارة برعشة وإرتباك .... _ سأنهي هذا العمل ونغادر وستلتحق يا بني بالمدرسة. لا أدري ، شيئا غريبا تسرب في كياني ، أفرحة أتت بمرارة الموقف؟ أم لإستكانة أبي والأعذار التي قرأتها في عينية ونبرات صوته المتوسلة صفحا وتسامحا ، علمت بعدها أنني في رحلة أخرى وتغريبة أخرى تخصني وحدي وأني على مسارب ، أطرافها نور وعلم ومعرفة ، وباطنها ألم وقهر يضجان مضجعي كل حين ،.......... يتبع سالم عكروتي (أبو عيسى) تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق