الخميس، 17 سبتمبر 2020
صورة في ذاكرة متعبة بقلم الاستاذ سالم عكروتي
صور في ذاكرة متعبة
ص_3
.... بتنا ليلتها في كوخنا دون سقف، كنت ملتصقا بأمي وهي تهدهدني في حضنها، لحظتها أحسست بحرارة الدمعة وهي تلامس وجهي ، دموع أمي ، الأيقونة الصامتة الصامدة، تلوي الأيام وتضفرها وتكابد مرها، وجوم أبي وصمته الصارخ، الفقر ينهشنا من كل الجوانب، والأمومة الملحة والقلب الرهيف يتعذبان، وأنا في حضن أمي أنعم بدفء جوانبه بؤس وشقاء.
أفقنا صباحا وأثر العاصفة يضفي على المكان مسحة من الحزن حد البكاء، غبار في كل مكان، ألوان باهتة، شحوب في الشجر والبشر.
كوخنا أنقاضا ،حزما من الخشب وحطب أشجار اللوز التي لحقها شح الأمطار والسنين العجاف حتى أصبحت سقفا لكوخنا، كم أنت كريمة أيته الشجرة المعطاء تطعميننا حية وتغطينا ميتة، حيطان كوخنا أوجوانبه سيقان سنابل القمح أيام الرخاء تترك طويلة وممتدة في الحقل حتى تيبس بعد أن تقطع منها السنابل، تجمع ، تنسج لتصبح ما يشبه السجاد أو الحصير أو البساط الخشن وبعدها تكون جدارا للأكواخ المتناثرة في بلدتنا الدافئة الفقيرة الممتدة الأطراف، أشجار سدر مترامية، خصاصة وجوع، منبسطات من الأرض وعشب كثيف أتت العاصفة على نضارته فأصبح حصيدا الا من شجيرات ( الشيح والحرمل والعلجان ) ونبتات أخرى .
الخريف يتمهل في هذه البقعة البائسة من الأرض ، كل شيئ بات بلا لون حتى ضحكات الصغار، العاصفة المقيتة التي آلمت أمي كرهتها، من أتى بها؟ من حرك اجنحتها؟ لتعصف بنا بكوخنا، مملكتنا الصغيرة تهتز أمام أنظار أبي القوي الصامت لا يحرك ساكنا، أي قوة جعلته يستسلم ويجلس القرفصاء بيننا، وعبق الأبوة ينسلخ علينا أريجا طيبا.
منبسط من الأرض مرتفع قليلا تربته لينة مريحة قرر أبي أن يشيد عليها كوخنا القديم الجديد، أمي نبض الحنان وينبوع حب لا ينضب تحمل حزم الأخشاب على ظهرها وتضعه في المكان الجديد، أبي تخلى محاباتا للقدر وصاغرا للأيام عن بعض شموخه وساعد أمي في حمل حزم الأخشاب. وعربون وفاء وحب طوحت به العاصفة وباركته الأيام ومر الجوع ظل قائما بصمت بديع.
إستوى الكوخ متكامل الأ ركان يتوسط السور ، مغطى بأغصان (السبط) مشيدا كأبهى ما يكون، سر رنا رغم المرارة وجور الضروف..... يتبع
سالم عكروتي (أبو عيسى) /تونس
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق